فصل: تفسير الآيات (29- 30):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (27):

{يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27)}
فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {لا يَفْتِنَنَّكُمُ} أي لا يصرفنكم الشيطان عن الدين، كما فتن أبويكم بالإخراج من الجنة. أب للمذكر، وأبة للمؤنث. فعلى هذا قيل: أبوان {ينزع عنهما لباسهما} في موضع نصب على الحال. ويكون مستأنفا فيوقف على {مِنَ الْجَنَّةِ}. {لِيُرِيَهُما} نصب بلام كي. {إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} الأصل يرءاكم ثم خففت الهمزة. وقبيله عطف على المضمر وهو توكيد ليحسن العطف كقوله: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} وهذا يدل على أنه يقبح رأيتك وعمرو، وأن المضمر كالمظهر وفي هذا أيضا دليل على وجوب ستر العورة، لقوله: {يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما}. قال الآخرون: إنما فيه التحذير من زوال النعمة، كما نزل بآدم. هذا أن لو ثبت أن شرع آدم يلزمنا، والأمر بخلاف ذلك.
الثانية: قوله تعالى: {إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} {قبيله} جنوده. قال مجاهد: يعني الجن والشياطين. ابن زيد: {قَبِيلُهُ} نسله.
وقيل: جيله. من حيث لا ترونهم قال بعض العلماء: في هذا دليل على أن الجن لا يرون، لقوله: {مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ} قيل: جائز أن يروا، لأن الله تعالى إذا أراد أن يريهم كشف أجسامهم حتى ترى. قال النحاس: {مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ} يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي، ليكون ذلك دلالة على نبوته، لأن الله جل وعز خلقهم خلقا لا يرون فيه، وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم. وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. قال القشيري: أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين اليوم.
وفي الخبر: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم».
وقال تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}.
وقال عليه السلام: «إن للملك لمة وللشيطان لمة- أي بالقلب- فأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق». وقد تقدم في البقرة. وقد جاء في رؤيتهم أخبار صحيحة. وقد خرج البخاري عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحفظ زكاة رمضان، وذكر قصة طويلة، ذكر فيها أنه أخذ الجني الذي كان يأخذ التمر، وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: «ما فعل أسيرك البارحة».
وفي صحيح مسلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «والله لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة»- في العفريت الذي تفلت عليه. وسيأتي في ص إن شاء الله تعالى. {إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} أي زيادة في عقوبتهم وسوينا بينهم في الذهاب عن الحق.

.تفسير الآية رقم (28):

{وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (28)}
الفاحشة هنا في قول كثر المفسرين طوافهم بالبيت عراة.
وقال الحسن: هي الشرك والكفر. واحتجوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم، وبأن الله أمرهم بها.
وقال الحسن: {وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها} قالوا: لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه. {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} بين أنهم متحكمون، ولا دليل لهم على أن الله أمرهم بما ادعوا. وقد مضى ذم التقليد وذم كثير من جهالاتهم. وهذا منها.

.تفسير الآيات (29- 30):

{قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)}
قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} قال ابن عباس: لا إله إلا الله.
وقيل: القسط العدل، أي أمر: العدل فأطيعوه. ففي الكلام حذف. {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ} أي توجهوا إليه في كل صلاة إلى القبلة. {عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي في أي مسجد كنتم. {وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ} الدين أي وحدوه ولا تشركوا به. {كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} نظيره {وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وقد تقدم. والكاف في موضع نصب، أي تعودون كما بدأكم، أي كما خلقكم أول مرة يعيدكم.
وقال الزجاج: هو متعلق بما قبله. أي ومنها تخرجون كما بدأكم تعودون. {فَرِيقاً هَدى} {فَرِيقاً} نصب على الحال من المضمر في {تَعُودُونَ} أي تعودون فريقين: سعداء، وأشقياء. يقوي هذا قراءة أبي {تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة}، عن الكسائي.
وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: {فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} قال: من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة، وإن عمل بأعمال الهدى. ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى، وإن عمل بأعمال الضلالة. ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة، وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه. قال: {وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ} وفي هذا رد واضح على القدرية ومن تابعهم.
وقيل: {فَرِيقاً} نصب ب {هَدى}، {وَفَرِيقاً} الثاني نصب بإضمار فعل، أي وأضل فريقا. وأنشد سيبويه:
أصبحت لا أحمل السلاح ولا ** أملك رأس البعير إن نفرا

والذئب أخشاه إن مررت به ** وحدي وأخشى الرياح والمطرا

قال الفراء: ولو كان مرفوعا لجاز. {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وقرأ عيسى بن عمر: {أنهم} بالهمزة، يعني لأنهم.

.تفسير الآية رقم (31):

{يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)}
فيه سبع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {يا بَنِي آدَمَ} هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا، فإنه عام في كل مسجد للصلاة. لأن العبرة للعموم لا! للسبب. ومن العلماء من أنكر أن يكون المراد به الطواف، لأن الطواف لا يكون إلا في مسجد واحد، والذي يعم كل مسجد هو الصلاة. وهذا قول من خفي عليه مقاصد الشريعة.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول: من يعيرني تطوافا؟ تجعله على فرجها. وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ** وما بدا منه فلا أحله

فنزلت هذه الآية {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} التطواف بكسر التاء. وهذه المرأة هي ضباعة بنت عامر بن قرط، قاله القاضي عياض.
وفي صحيح مسلم أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس قريش وما ولدت، كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء. وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم يقفون بعرفات. في غير مسلم: ويقولون نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا. فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبا ولا يسار يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانا، وإما أن يطوف في ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسه أحد. وكان ذلك الثوب يسمى اللقى، قال قائل من العرب:
كفى حزنا كري عليه كأنه ** لقى بين أيدي الطائفين حريم

فكانوا على تلك الجهالة والبدعة والضلالة حتى بعث الله نبيه محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأنزل الله تعالى: {يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ} الآية. وأذن مؤذن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ألا لا يطوف بالبيت عريان.
قلت: ومن قال بأن المراد الصلاة فزينتها النعال، لما رواه كرز بن وبرة عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال ذات يوم: «خذوا زينة الصلاة» قيل: وما زينة الصلاة؟ قال: «البسوا نعالكم فصلوا فيها».
الثانية: دلت الآية على وجوب ستر العورة كما تقدم. وذهب جمهور أهل العلم إلى أنها فرض من فروض الصلاة.
وقال الأبهري هي فرض في الجملة، وعلى الإنسان أن يسترها عن أعين الناس في الصلاة وغيرها. وهو الصحيح، لقوله عليه السلام للمسور بن مخرمة: «أرجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة». أخرجه مسلم. وذهب إسماعيل القاضي إلى أن ستر العورة من سنن الصلاة، واحتج بأنه لو كان فرضا في الصلاة لكان العريان لا يجوز له أن يصلي، لأن كل شيء من فروض الصلاة يجب الإتيان به مع القدرة عليه، أو بدله مع عدمه، أو تسقط الصلاة جملة، وليس كذلك. قال ابن العربي: وإذا قلنا إن ستر العورة فرض في الصلاة فسقط ثوب إمام فانكشف دبره وهو راكع فرفع رأسه فغطاه أجزأه، قاله ابن القاسم.
وقال سحنون: وكل من نظر إليه من المأمومين أعاد. وروي عن سحنون أيضا: أنه يعيد ويعيدون، لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، فإذا ظهرت بطلت الصلاة. أصله الطهارة. قال القاضي ابن العربي: أما من قال، إن صلاتهم لا تبطل فإنهم لم يفقدوا شرطا، وأما من قال إن أخذه مكانه صحت صلاته وتبطل صلاة من نظر إليه فصحيفة يجب محوها ولا يجوز الاشتغال بها.
وفي البخاري والنسائي عن عمرو بن سلمة قال: لما رجع قومي من عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا قال: «ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن». قال: فدعوني فعلموني الركوع والسجود، فكنت أصلي بهم وكانت علي بردة مفتوقة، وكانوا يقولون لأبي: ألا تغطي عنا است ابنك. لفظ النسائي. وثبت عن سهل بن سعد قال: لقد كانت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصلاة كأمثال الصبيان، فقال قائل: يا معشر النساء، لا ترفعن رؤوسكن حتى ترفع الرجال. أخرجه البخاري والنسائي وأبو داود.
الثالثة: واختلفوا إذا رأى عورة نفسه، فقال الشافعي: إذا كان الثوب ضيقا يزره أو يخلله بشيء لئلا يتجافى القميص فترى من الجيب العورة، فإن لم يفعل وراي عورة نفسه أعاد الصلاة. وهو قول أحمد. ورخص مالك في الصلاة في القميص محلول الأزرار، ليس عليه سراويل. وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور. وكان سالم يصلي محلول الأزرار.
وقال داود الطائي: إذا كان عظيم اللحية فلا بأس به. وحكى معناه الأثرم عن أحمد. فإن كان إماما فلا يصلي إلا بردائه، لأنه من الزينة.
وقيل: من الزينة الصلاة في النعلين، رواه أنس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يصح.
وقيل: زينة الصلاة رفع الأيدي في الركوع وفي الرفع منه. قال أبو عمر: لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي.
وقال عمر رضي الله عنه: إذا وسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم، جمع رجل عليه ثيابه، صلى في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء- وأحسبه قال: في تبان وقميص- في تبان ورداء، في تبان وقباء. رواه البخاري والدارقطني.
الرابعة: قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} قال ابن عباس: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة. فأما ما تدعو الحاجة إليه، وهو ما سد الجوعة وسكن الظمأ، فمندوب إليه عقلا وشرعا، لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس، ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال، لأنه يضعف الجسد ويميت النفس، ويضعف عن العبادة، وذلك يمنع منه الشرع وتدفعه العقل. وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر ولا نصيب من زهد، لأن ما حرمها من فعل الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثوابا وأعظم أجرا. وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين: فقيل حرام، وقيل مكروه. قال ابن العربي: وهو الصحيح، فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان. ثم قيل: في قلة الأكل منافع كثيرة، منها أن يكون الرجل أصح جسما وأجود حفظا وأزكى فهما وأقل نوما وأخف نفسا.
وفي كثرة الأكل كظ المعدة ونتن التخمة، ويتولد منه الأمراض المختلفة، فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه القليل الأكل.
وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء. وقد بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا المعنى بيانا شافيا يغني عن كلام الأطباء فقال: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه». خرجه الترمذي من حديث المقدام بن معدي كرب. قال علماؤنا: لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة. ويذكر أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شي، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان. فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا. فقال له: ما هي؟ قال قوله عز وجل: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا}. فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب. فقال علي: جمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطب في ألفاظ يسيرة. قال: ما هي؟ قال: «المعدة بيت الأدواء والحمية رأس كل دواء وأعط كل جسد ما عودته». فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. قلت: ويقال إن معالجة المريض نصفان: نصف دواء ونصف حمية: فإن اجتمعا فكأنك بالمريض قد برأ وصح. وإلا فالحمية به أولى، إذ ينفع دواء مع ترك الحمية. ولقد تنفع الحمية مع ترك الدواء. ولقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أصل كل دواء الحمية». والمعني بها- والله أعلم- أنها تغني عن كل دواء، ولذلك يقال: إن الهند جل معالجتهم الحمية، يمتنع المريض عن الأكل والشراب والكلام عدة أيام فيبرأ ويصح.
الخامسة: روى مسلم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد». وهذا منه صلى الله عليه وسلم حض على التقليل من الدنيا والزهد فيها والقناعة بالبلغة. وقد كانت العرب تمتدح بقلة الأكل وتذم بكثرته. كما قال قائلهم:
تكفيه فلذة كبد إن ألم بها ** من الشواء ويروي شربه الغمر

وقالت أم زرع في ابن أبي زرع: ويشبعه ذراع الجفرة.
وقال حاتم الطائي يذم بكثرة الأكل:
فإنك إن أعطيت بطنك سؤله ** وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

وقال الخطاب: معنى قوله صلى اللَّه عليه وسلم: «المؤمن يأكل في معى واحد» أنه يتناول دون شبعه، ويؤثر على نفسه ويبقي من زاده لغيره، فيقنعه ما أكل. والتأويل الأول أولى والله أعلم. وقيل في قوله عليه السلام: «والكافر يأكل في سبعة أمعاء» ليس على عمومه، لأن المشاهدة تدفعه، فإنه قد يوجد كافر أقل أكلا من مؤمن، ويسلم الكافر فلا يقل أكله ولا يزيد.
وقيل: هو إشارة إلى معين. ضاف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضيف كافر يقال: إنه الجهجاه الغفاري.
وقيل: ثمامة بن أثال.
وقيل: نضلة بن عمرو الغفاري.
وقيل: بصرة بن أبي بصرة الغفاري. فشرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم فشرب حلاب شاة فلم يستتمه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك. فكأنه قال: هذا الكافر. والله أعلم.
وقيل: إن القلب لما تنور بنور التوحيد نظر إلى الطعام بعين التقوى على الطاعة، فأخذ منه قدر الحاجة، وحين كان مظلما بالكفر كان أكله كالبهيمة ترتع حتى تثلط. واختلف في هذه الأمعاء، هل هي حقيقة أم لا؟ فقبل حقيقة، ولها أسماء معروفة عند أهل العلم بالطب والتشريح.
وقيل: هي كنايات عن أسباب سبعة يأكل بها النهم: يأكل للحاجة والخبر والشم والنظر واللمس والذوق ويزيد استغناما.
وقيل: المعنى أن يأكل أكل من له سبعة أمعاء. والمؤمن بخفة أكله يأكل أكل من ليس له إلا معى واحد، فيشارك الكافر بجزء من أجزاء أكله، ويزيد الكافر عليه بسبعة أمثال. والمعى في هذا الحديث هو المعدة.
السادسة: وإذا تقرر هذا فأعلم أنه يستحب للإنسان غسل اليد قبل الطعام وبعده، لقوله عليه السلام: «الوضوء قبل الطعام وبعده بركة». وكذا في التوراة. رواه زاذان عن سلمان. وكان مالك يكره غسل اليد النظيفة. والاقتداء بالحديث أولى. ولا يأكل طعاما حتى يعرف أحارا هو أم باردا؟ فإنه إن كان حارا فقد يتأذى. وروي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «أبردوا بالطعام فإن الحار غير ذي بركة» حديث صحيح. وقد تقدم في البقرة ولا يشمه فإن ذلك من عمل البهائم، بل إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه، ويصغر اللقمة ويكثر مضغها لئلا يعد شرها. ويسمي الله تعالى في أوله ويحمده في آخره. ولا ينبغي أن يرفع صوته بالحمد إلا أن يكون جلساؤه قد فرغوا من الأكل، لأن في رفع الصوت منعا لهم من الأكل. وآداب الأكل كثيرة، هذه جملة منها. وسيأتي بعضها في سورة هود إن شاء الله تعالى. وللشراب أيضا آداب معروفة، تركنا ذكرها لشهرتها.
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشمال ويشرب بشماله».
السابعة: قوله تعالى: {وَلا تُسْرِفُوا} أي في كثرة الأكل، وعنه يكون كثرة الشرب، وذلك يثقل المعدة، ويثبط الإنسان عن خدمة ربه، والأخذ بحظه من نوافل الخير. فإن تعدى ذلك إلى ما فوقه مما يمنعه القيام الواجب عليه حرم عليه، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه. روى أسد بن موسى من حديث عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: أكلت ثريدا بلحم سمين، فأتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا أتجشى، فقال: «اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة». فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتى فارق الدنيا، وكان إذا تغدى لا يتعشى، وإذا تعشى لا يتغدى.
قلت: وقد يكون هذا معنى قوله عليه السلام: «المؤمن يأكل في معى واحد» أي التام الإيمان، لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه كأبي جحيفة تفكر فيما يصير إليه من أمر الموت وما بعده، فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته. والله أعلم.
وقال ابن زيد: معنى {وَلا تُسْرِفُوا} لا تأكلوا حراما.
وقيل: من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت. رواه أنس بن مالك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خرجه ابن ماجه في سننه.
وقيل: من الإسراف الأكل بعد الشبع. وكل ذلك محظور.
وقال لقمان لابنه: يا بني لا تأكل شبعا فوق شبع، فإنك إن تنبذه للكلب خير من أن تأكله. وسأل سمرة بن جندب عن ابنه ما فعل؟ قالوا: بشم البارحة. قال: بشم! فقالوا: نعم. قال: أما إنه لو مات ما صليت عليه.
وقيل: إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسما في أيام حجهم، ويكتفون باليسير من الطعام، ويطوفون عراة. فقيل لهم: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} في تحريم ما لم يحرم عليكم.